نذير حمدان
92
حكمة القرآن والحضارة
القرآن محكم النص ، إذ لا غرابة في ذلك فإنه من ( الحكيم الخبير ) كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( هود 1 ) . فإذا اجتمع مع الإحكام ( التفصيل ) ، والمصدرية الإلهية الحكيمة فإنه في ذروة التناسق والقوة المعنوية الإعجازية ، فليس فيه اضطراب ولا تناقض ولا تجاوز فكري . ( ومن الحكمة فيه أنه مفصل بعضه عن بعض في اللفظ ، والمعنى والزمن ) ، ففي اللفظ : بالفواصل التي حدت الآيات ، وفي المعنى : فبعضها في بيان صفات اللّه تعالى ، وبعضها وعيد للعصاة بالعذاب ، وبعضها في قصص أحوال الماضين ، وبعضها أحكام ، وبعضها مواعظ وأخلاق . وفي الزمن : فنزلت على فترات حسب الحاجة لحكمة التنزيل ( الإسراء 106 ) « 1 » . والمسلمون اليوم يقدّمون القرآن سجل حضارة فذّة تستوعب الفعاليات الروحية والمادية والنظامية والخلقية ، وهي مسألة حضارية ثالثة تمتاز بالعمومية والصلاحية والأحقّية . ومن مقتضيات حكم الكتب السماوية مرجعيتها التسجيلية ، فللأديان السماوية الأسبقية في تدوين الأحكام مذ صحف آدم إلى القرآن الكريم . فهي في مقدمة القوانين المسجلة ، وأحيانا المحفوظة في عالم الحضارات الإنسانية . وإذا وردت الحكمة مفردة لبعض الحكماء مثل لقمان ( لقمان 12 ) فإنها وردت كثيرا متعاطفة مع غيرها من ينابيع المعرفة ومصادر الخير ، وما دامت تعني معرفة أسرار الأشياء والعلم الدقيق الصحيح فلا بد من عطفها على ( الكتاب ) وتقديمها على التزكية والتطهير الفعليين في دعاء إبراهيم لمحمد عليهما السلام ( البقرة 129 ) ، وهي متأخرة رتبة عن الكتاب دوما في الآيات التي تتحدث عن الأنبياء مبلغي الناس الحكمة والخير ( البقرة 48 ) وبخاصة الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم ( آل عمران 164 ) مما يعني أن الحكمة لا بدّ من أن تعتمد على مرجع أمين دائم الصّلة بالخبير الحكيم ، ولا بدّ أن يكون المرجع ( مكتوبا ) حتى لا يضيع شيء منه على توالي العصور ، وهي مسألة حضارية رابعة . - في حكم الناس الصالح والفاسد حسب ما ورد في القرآن فإنه يشمل التحكيم بين الزوجين عند إرادة الإصلاح والتوفيق ( النساء 35 ) من أجل رأب الصدع في الأسرة ، ويحسن أن يكون الحكمان حكيمين ، عندئذ يكون حكمهما مبرما ، ولكن الإنسان غير مؤهل لأن
--> ( 1 ) من المصحف الميسر : عبد الجليل عيسى .